صِدْقُ توجهات القوى المناهضة للاحتلال والمقاومة له وعلى رأسها فصائل المقاومة لا يحتاج إلى دليل، فهي حقائق ثابتة لكن من رحمة الله أن جعل الأحداث تثبت صحتها لضعفاء الإيمان، وجعل ما تحمله الأيام من مستجدات؛ دلائل لا يستطيع أحد أن يقاوم صدقها، فكلما مر يوم تكشفت دعاوى الزيف والكذب، وافتضحت نوايا الأدعياء، وكلما ظن الاحتلال وأعوانه أنهم أقرب إلى تحقيق مشاريعهم واقتناع الناس بها يثبت الشعب لهم خلاف ذلك.
لقد خاضت المقاومة ومن معها من القوى المناهضة للاحتلال صراعات متعددة مع الاحتلال وما الصراع العسكري إلا صفحة من صفحاتها -وإن كانت هي الأبرز-، ومن صفحات ذلك «الصراع الثقافي» الذي بذل فيه المحتل وأعوانه الكثير في سبيل إنهاء روح الممانعة لدى الشعب، بل ربما كانت هذه الصفحة سابقة لنزول جنود الاحتلال أرض العراق وبدء المعركة العسكرية، فقد مهدوا لذلك من خلال مجنديهم من سياسي ما يسمى «المعارضة العراقية» ومن يرتبط بهذه المعارضة عبر تثقيف ممنهج يبشر بـ«الديمقراطية» ويحاول خلخلة جذور الارتباط بهذا الوطن، وكان المحتل يهدف من تمهيده هذا إضعاف روح الممانعة لدى الشعوب التي تعد من الغرائز الطبيعية عند تعرض أي أمة للاحتلال، ومقابل ذلك صناعة أرضية من النفوس مستعدة للمطاوعة والقبول بالواقع أو اللامبالاة.
ولقد رأينا كيف استطاع هذا الاحتلال أن يأمن في بعض مناطق العراق بفضل فتاوى دينية نادت بتأجيل الجهاد، وبفضل شعارات سياسية رُفعت تقول: إن العملية السياسية هي طريق التحرير.
ورغم ذلك استطاع الخطاب الديني الصحيح من القوى المخلصة أن يحرك مجاميع الشباب ضد الاحتلال ويحرك المقاومة خلال ساعات معدودة بعد انهيار الحكومة وإعلان الاحتلال «احتلال بغداد»، وبفضل الله ثبتت هذه القوى المخلصة فتمكنت من تحشيد الجموع لتصبح المقاومة فصائل متعددة تنفذ ضد الاحتلال عمليات نوعية أذهلته وكادت أن تطيح به.
وعندها عاد الاحتلال ليركز بقوة على
«الصراع الثقافي» معتمداً على أسلوبين يكمل أحدهما الآخر، الأول: من خلال ارتكاب عملائه العديد من الجرائم بحق المدنيين من أبناء العراق ومحاولة إلصاق التهمة بالمقاومة، والثاني: من خلال استعماله الورقة الطائفية عن طريق تحريكه لمجاميع الغوغاء، ثم اتبعها بإنشاء «الصحوات» واستغلالها لزعزعة ثقة العديد من الناس بجدوى المقاومة؛ ليستثمر الحالة الثقافية الجديدة في المجتمع العراقي؛ لتتمكن قواته من تنفس الصعداء قليلاً بعد حرج شديد كاد أن يفتك بمن بقي منها وقاربت على الإنهيار النفسي.
ورأينا كيف استثمرت إيران ذلك لتتغلغل مخابراتها وأجهزتها الأخرى في العراق عن طريق عملائها، واستسلم كثير من الناس -أو كادوا- للواقع الجديد، وظهرت أطروحات متعددة تتفق في الفحوى وتدعو الناس للقبول بالمرحلة الجديدة، قائلة: إن المقاومة -سواء أكانت على حق أم أخطأت- فقد أدت دورها وانتهت صلاحيتها؟
ونحمد الله أن ثبت رجال المقاومة على الحق فلم يحولوا مسارهم ويتركوا جهادهم، فبقيت الغالبية العظمى من فصائل المقاومة مقتنعة أنها لن تسترد حقوقها إلا بالقوة، ولم تلتفت لدعاوى المرجفين الداعية للتحول إلى القبول بالعملية السياسية والعمل من خلالها، واستمر جهادهم ولم يتوقف رغم قلة العمليات وكثرة المعوقات.
ودارت الأيام لتقوم الحكومة - بسبب غرورها- بمحاولة إقناع الناس من جديد أن لا جدوى من سيرهم وراء شعاراتها، ولتثبت للناس أنها كاذبة في جميع ما وعدت به جماهيرها، فتنامى شعور الناس بفشل العملية السياسية، وتزايدت قناعاتهم بزيف إدعاءات الذين نصبوا أنفسهم ممثلين عن الشعب، وتعالت أصواتهم بتحميل (الحكومة) مسؤولية الجرائم المتزايدة التي تسفك دم الأبرياء.
إنها مرحلة جديدة تعود بالتغيير، فقد أخذت مفاهيم الاستسلام والخنوع والقبول بالواقع والركوع أخذت كلها بالضمور والاضمحلال ولله الحمد، وفي المقابل بدأت تظهر وتعود إلى الواجهة شعارات الوحدة الوطنية ووجوب التلاحم لطرد الاحتلال الأمريكي والتصدي للتدخل الإيراني، فهنيئاً للثابتين على طريق الهدى، السائرين إلى النجاح والفلاح، وهنيئاً لمن عرف الحق منذ أيامه الأولى ولزمه، فثباتهم هو النبراس للآخرين ليلحقوا بقافلة التحرير، وإنها والله لتباشير النصر القريب بإذن الله.