|
مركز الأمة للدراسات والتطوير/ قسم الدراسات
31-12-2009م
استفاق العالم من جديد على أضاليل الإعلام وروايات وكالة المخابرات الأمريكية, لإعادة حشد الرأي العام الأمريكي والدولي من جديد لحرب أخرى, بعد حروب افغانستان والعراق والباكستان وأخرى سرية في اليمن وقد تكون نيجريا أو المتوسط لاحقا, تحت ما يسمى "الحرب العالمية على الارهاب", وكان خطاب الرئيس الأمريكي اوباما على اثر زعم محاولة اختطاف طائرة امريكية مخيبًا للآمال حيث وسع من نطاق الحرب بل واظهر النزعة العسكرية الأمريكية بشكل واضح , وباستخدام مصطلح "الحرب على الارهاب" هذا المصطلح الحربي القديم الجديد الذي بات سمة أمريكية لكل حكومة , وأعاد للأذهان منهجية سلفه "بوش" الذي أوحل امريكا في مستنقعات لم تتمكن الخروج منها لحد الآن , وبالتأكيد لكل حرب أمريكية شركاتها وسياسييها وحكوماتها , بل ولكل رئيس أمريكي حربه , هكذا تقول الوقائع والحقائق التأريخية, وسجل الرؤساء الأمريكيين حافل بالغزوات والحروب وجرائم الحرب, وشهد العالم عبر وسائل الإعلام إعادة تسويق ما يسمى الإرهاب والهلع من عمليات القاعدة وزعم محاولات تفجير الطائرات وحادثة قاعدة (فورت هوت) الأمريكية وغرضها تنميط المسلمين والعرب من جديد بالإرهاب (صناعة الخوف), وليمكن الابتعاد عن الفلسفة الأمريكية الكونية التي روجها "صموئيل هنتغتون" في تنظير أمريكي ستراتيجي اسماه(صدام الحضارات وإعادة تشكيل العالم) ويشير إلى أن الحرب القادمة بعد الاتحاد السوفيتي هي ضد الاسلام , وأعلنت الإدارة الامريكية السابقة برموزها ورئيسها بوش أن الحرب العالمية الرابعة ضد الاسلام وأسماها "أنها حرب صليبية" في الإشارة للحرب ضد العراق, وشواهدها الحربية واضحة للعيان بحروب ثلاثية في دول شعوبها إسلامية –افغانستان-العراق –الباكستان انتهكت فيها حرية الأديان وحقوق الإنسان وجميع معايير القانون الدولي, وتتجه البوصلة الحربية إلى اليمن والسعودية وسوريا لتوسيع رقعة الحرب عبر محوري الكيان الصهيوني والتمدد الايراني بعد أن رسخت مرتكزات الطائفية السياسية في كل من فلسطين والعراق ولبنان والسودان واليمن والبقية تأتي, وتسعى جاهدة لتقسيم طوبغرافي بمنحى طائفي واثني وتبادل مخططات بين لبننه وعرقنة وأفغنة تستهدف الأمة العربية والإسلامية.
ادعاءات وأوهام النصر الأمريكي
يعتبر عدد كبير من الخبراء والمحللين أن أمريكا فشلت فشلا مدويا في تحقيق أهدافها السياسية والعسكرية في كل من افغانستان والعراق, بالرغم من تصريحات جنرالات الحرب الأمريكان المضللة, عن ما يسمى النصر أو التحسن الامني في العراق, وما يطلق عليه "الاندفاعة" وتطبيق خمس ستراتيجيات مختلفة للحد من قدرات المقاومة العراقية المتعاظمة هناك, وكانت الخطة تعتمد على إشراك القوة المكتسبة ومزاوجة الجندي النظامي الأمريكي المحتل وجنود المرتزقة من الأجانب والمحليين , ويطلق عليها العمليات المشتركة, مع توسيع انتشار القوة المكتسبة, والتي كان غرضها تمدد نفوذ قوات الاحتلال في المناطق الرافضة للاحتلال والعصية عسكريا بالوكالة, وأسندتها حرب إعلامية من كافة الجوانب, تشرعن العمل مع الاحتلال تحت يافطات وطنية كاذبة , معززة بحرب نفسية تطبع ثقافة الهزيمة لغرض تعزيز الانهيار الإدراكي لمقاتلي المقاومة العراقية, مع استخدام مكثف للجواسيس والطائرات المسيرة, وضغط على الدول العربية مع فتح سوق شراء الضمائر والذمم في اكبر سوق قذر عرفه التاريخ, مما عزز ثقافة الاحتراب السياسي الداخلي للحصول على مناقصات التجسس لصالح المحتل وإيران معا, ولعبت وسائل الإعلام العربية والعراقية دورا قذرا ومحوريا في أيهام وتضليل الرأي العام العراقي والعربي والدولي, لغرض الإيحاء بنجاح ما يسمى "الاندفاعة الأمريكية" , وربطها بأمن المواطن العراقي, وفي مقاييس الربح والخسارة لو أحصي حجم الدمار والقتل والاعتقال والتعذيب والفساد المالي والإداري وتدمير البنى التحتية الاجتماعية والوطنية وفوضى الاحتراب السياسي, سنجد أن العراق في دوامة دموية تعصف بكافة أرجائه, وهنا حقق جنرالات الحرب تحول في مسار الحرب لتخطي ضربات المقاومة نسبيا عبر فلسفة حرب المغانم السياسية الوهمية وشراء الولاء بالمال, ويجد المحللون أن أمريكا اليوم في مأزق كبير بخصوص العراق وكذلك افغانستان, وتفتقر لمقومات بقائها بعد ان استنزفت قدراتها المالية والعسكرية وسمعتها على كافة الأصعدة, بل حتى مقومات الانسحاب الآمن مفقودة ما لم تؤمنه المقاومة العراقية[1], مما جعلها تمارس سياسة الهروب إلى الأمام, وشهد الخبراء مندهشين إستراتيجية اوباما في افغانستان, وهي اقتباس لتجربة الاندفاعة في العراق, كون فلسفة المنظومة الحربية هي نفسها من عهد بوش وحتى الآن(الحرس القديم), وهم مجرمو حرب بلا شك , وبات المستنقع العراقي والأفغاني مكلف سياسيا وماليا ومعنويا لأمريكا, ويبدو أنهم يتجهون إلى حرب أخرى في الخليج أو المتوسط أو أفريقيا وفق سياسة الهروب إلى الأمام, ومنهجية شركاتهم وجماعات الضغط الصهيونية, وكان الجنرال "جيان جينتل" الذي قاد قوات الاحتلال الأميركية في العراق قد ذكر في مقال نشرته صحيفة "إنترناشيونال هيرالد تريبيون" في شهر أكتوبر 2009 "أذا كان التاريخ دليلا مرشدا، فإن النصر ليس قريبا وفكرة أن "زيادة" القوات كانت عملا عسكريا عظيما وحاسما إلى حد ما، وهو ما مهد السبيل لمصالحة سياسية ، هي من قبيل الوهم والسراب", واستشهد بتجربة المقاومة الجزائرية قائلا :-اختار الثوار الجزائريون تخفيض وتيرة القتال بينما شغل الجيش الفرنسي والشعب الفرنسي نفسه بالمشاكل السياسية للحكم الاستعماري وفي النهاية أمر الرئيس "شارل ديغول" الجيش الفرنسي بالخروج من الجزائر في عام 1961 وحصلت الجزائر على استقلالها, واتجه مستشهدا بتجربة المقاومة الفيتنامية عن هجوم "تيت" في عام 1968 بما يشابه الاندفاعة ضد المقاومة الفيتنامية "فيتكونغ" (وهي المقاومة الفيتنامية التي حاربت القوات الأميركية وصفحتها السياسية) بحيث أن المقاومة كان عليهم أن يأخذوا متنفسا أو يلتقطوا أنفاسهم، في ظرف سنتين، بينما استعدت للهجوم العسكري النهائي في عام 1975 , وبذلك هزم الجيش الأمريكي وطرد من فيتنام, ان الفكرة التي تهيمن على تفكير الجيش الأميركي الحالي فيما يتعلق بالعراق وأفغانستان هي أن الجيش الأميركي يمكنه أن يخضع العراق وأفغانستان للهدوء ويهزم ما يسمونهم بالمتمردين(المقاومة) ويضع نهاية مظفرة للحرب بفضل الأساليب التي قدمها الجنرال بترايوس" ، وهذا وهم ويندرج ضمن أساليب التلميع السياسي والعسكري لصورة هذا الجنرال أو ذاك والحصول على تخصيصات مالية أضافية للحرب, كي تعزز أرصدة جنرالات الحرب والشركات , فالمشكلة الأساسية في العراق هي سياسية واجتماعية متعلقة بمن سيتقلد السلطة في العراق وعدم شرعية الطبقة السياسية الحالية في ظل الاحتلال ، والحساب النهائي ما زال يتعين تحديده من خلال مقياس ديمومة القتال والقدرة الحالية والاستعداد والإرادة الخاصة بالمقاومة العراقية في تنفيذ العمليات ضد جيش الاحتلال, وهي تقوض فكرة أن زيادة القوات أجدت نفعا، وأن الحل العسكري وفق المفهوم الأمريكي يطبع الاحتلال وصفحته السياسية وينجح مشروعه في العراق(عسكرة الحلول السياسية).
إيمان المقاتل بالقضية
تشير الحقائق العسكرية والمنهجية الحرفية الحربية, إلى ضرورة وجود دافع أساسي يخضع للمنظومة العقائدية[2] واتساقها وطنيا وإنسانيا, لحث المقاتل أو المحارب الاستمرار بالحرب والانتصار فيها وتحقيق الهدف من الحرب، ولا يمكن لأي دولة مهما كانت قدراتها وتفوقها الحربي تحقيق نصر عسكري من دون تعزيز مبدأ أساسي وهو "إيمان المقاتل بالقضية التي يحارب من أجلها", ويختلف الخبراء الغربيون ومنهم الأمريكيون في دور ذلك العنصر في القتال, والتعويض عنه باستخدام القوة المفرطة ضد المدنيين والمنشآت وفق فلسفة "الصدمة والرعب" , وباستخدام القدرات الذكية ضد المجتمعات والشعوب, وتعويض عامل النقص بخصخصة الحرب , وهذا ما يستند عليه جنرالات الحرب في العراق وأفغانستان ،وهنا يرتبط مفهوم (العدو) بمفاهيم أساسية أبرزها تشخيص العدو, ويحتكم لعدد من الاعتبارات الأساسية ,أحقية الأرض لمواطنيها – العدوان الأجنبي العسكري على أراضي وطنية- الاحتكاك العسكري الأجنبي للسيطرة على ثروات وطنية- انتهاك الحدود السياسية الوطنية-استهداف الشعب واحتمال تعرضه لإبادة بشرية من دولة إقليمية وأجنبية طامعة – الغزو الأجنبي والاحتلال وإذلال المجتمع بالقوة, الأطماع والتهديدات الأجنبية, حرب العقائد والأفكار, وهنا يبرز فرق كبير بين المدافع عن دينه وطنه وأمته تجاه العدو وبين المحارب مع المحتل الغازي الطامع , ويشير عدد كبير من الباحثين والخبراء إلى أن الجندي الأمريكي قد فقد أرادة القتال ومقومات الاستمرار بالحرب مما انعكس على التطوع في الجيش والعزوف عن الذهاب للحرب والانتحار..الخ , وتم تلافي المشكلة أمريكيا عن طريق الحرب بالوكالة وخصخصة الحرب من خلال الجندي المرتزق الأجنبي والمحلي, الذي يقوم بمهام حربية ضد وطنه لصالح دولة الاحتلال , ولا يمكن للمقاتل الوطني أن يقاتل لغرض القتل أو خوض أي حرب عبثا , بل يقاتل وفق عقيدة عسكرية تخضع لمعايير وسمات سياسية عنصرها الأساسي الدفاع عن حدود الوطن وحماية شعبه ومعتقداته وصيانة الثورات من الأطماع والتهديدات، وهنا يبرز صراع الإرادات وكيف يفرض المقاتل الوطني أرادته على العدو، ولا يترك العدو يستنزفه ويستدرجه لغايته العسكرية والسياسية, وهذا ما يميز المقاتل الوطني المؤمن أو الجيش الوطني عن المرتزقة أو المليشيات أو الجيوش الكبرى التوسعية التي تقاتل من اجل غزو الدول والسيطرة على مقدراتها وثرواتها , وبالتأكيد فإن الشجاعة لا تؤت أوكلها إلا بوجود منظومة قيمية وفكر يعضد الشجاعة على أذرع ثابتة، وهذا عنصر لا يتوفر لدى جيوش المرتزقة - شركات الأمن الخاصة- خصخصة الحرب أو الجيوش التي تقاتل بالوكالة.
طرد الاحتلال معبر لاستقلال العراق ووحدة أراضيه
هناك حقائق تأريخية تثبت أن من يدافع عن قضية نبيلة يحمل فكرًا نبيلًا ويحقق مستقبلًا زاهرًا لوطنه وشعبه, وبالتأكيد لم يكن هدف المقاومة العراقية حمل السلاح عبثا والقتال من اجل القتال أو لمغانم شخصية, بل قاتلت للدفاع عن التراب الوطني وإخراج الاحتلال المركب وتحقيق استقلال العراق, والحفاظ على وحدة أراضيه , وبناء مستقبل واعد وزاهر لشعبه, , لقد قام " ليورغن تودن هيغر " [3] بزيارة العراق وسكن في بيت تابع لأفراد من المقاومة العراقية, وقابل العديد من عناصر المقاومة, وتعايش معهم عن قرب, وذكر المؤلف ان المقاومة العراقية مقاومة شعبية شاملة وتشمل جميع الطوائف والمذاهب من سنة وشيعة ومسيحيين وغيرهم , كما يشارك فيها تيارات ومن كافة الاتجاهات, أي أنها مقاومة مسلحة وسياسية وشعبية شاملة تحمل قضية نبيلة هي الدفاع عن العراق وطرد المحتل, وأكد المؤلف ان الصورة التي يرسمها المحتل الأميركي عن الوضع في العراق زائفة، وان المقاومة العراقية لا تقتل المدنيين كما يدعي الاميركان وتروجها وسائل الإعلام الأمريكية لتشويه صورة المقاومة كجزء من الحرب النفسية، وإنها تركز قتالها ضد قوات الاحتلال ، أما الجثث المجهولة فهي جثث مواطنين عراقيين قامت قوات الاحتلال وشركات الأمن الخاصة مثل "بلاك ووتر" وغيرها بقتلهم أو اعتقالهم وتسليمهم إلى المليشيات الطائفية لقتلهم ورمي جثثهم في الشوارع بعد نزع هويتهم وتسجل في الطب العدلي "جثث مجهولة الهوية".
كما كتب الصحفي الأميركي "مايك ويتني" أن خطة الإدارة الأميركية في العراق محكوم عليها بالفشل، لأنها مستندة على منطق خاطئ غير عقلاني وفق منطق القوة المفرطة السادية وإذكاء العنف المتطرف وبذلك لن يحقق حل سياسي ومخرج للقضية العراقية، بل نشهد مزيدًا من إراقة دماء الأبرياء, وإن الطريق الوحيدة نحو الأمام هو إعلان وقف إطلاق نار فوري، وأن تدعوا إلى المفاوضات مع زعماء المقاومة الوطنية العراقية، وتدعوا إلى عقد اجتماع بين المجموعات السياسية الوطنية، وأن تتفق على الانسحاب الكامل لكل القوات الأميركية من العراق.
تقرير مصير العراق بيد العراقيين
يظهر التاريخ أن الاحتلال للبلدان من قبل الجيوش الأجنبية بنية تغيير المجتمعات المحتلة لا يجدي نفعا , وينتهي إلى تكلفة كبيرة وقاسية جدا من الدم والمال بين خسائر وتضحيات, والفكرة القائلة أنه فقط لو أن جيشا حصل على عدد أكثر بقليل من القوات الموجودة، مع جنرالات أفضل ومختلفين، فإنه يمكنه وفي غضون سنوات قليلة أن يهزم مقاومة وطنية في خضم حرب داخلية مفتعلة يعد وهما ومجانب للحقيقة, وهذا التكتيك انكشف للعالم وللشعب العراقي الذي تعاظم الوعي الوطني والسياسي لديه, وبات يرفض أي مظهر من مظاهر الاحتلال السياسي والاقتصادي والعسكري والقانوني ، لقد حاول أعداء العراق والطامعون بخيراته وثرواته ان ينكروا على شعب تمتد حضارته 6000 سنة من تاريخ الإنسانية هويته وقدرته على تقرير مصيره وحق العيش والحرية والأمان، لقد تمكن الشعب العراقي من خلال ثباته وصبره ونجاح مقاومته من وقف مسار مخطط الشرق الأوسط الكبير الذي ينطلق من العراق لتقسيم الأقطار العربية إلى 56 كيانا أو دويلة, وأثبتت الحقائق الأخيرة رصانة ونضوج المقاومة العراقية وتعاضد القوى الوطنية الحية حولها , وتماسك الشعب العراقي وتوافقه على الثوابت الوطنية والتصدي لكافة التهديدات والأطماع المحيطة به, ومهما طال الزمن فان الصمود يصنع النصر.
......................................................................................
[1] . تحدث عسكريون أمريكيون في سلاح الجو إن حرب العراق وعلى مدى أعوام، أنهكت على نحو خطير، الأسراب الجوية من طائرات مقاتلة وقاذفات وناقلات ووحدات شحن وتلك الهجومية، وطالبوا ببدائل حديثة ومكلفة على وجه السرعة, كما ان غالبية جنود الجيش الأميركي لا يرغبون ولا يتحمسون للحرب، وكل استطلاعات الرأي ومنذ سنوات تفيد أن السند الشعبي للحربين انهار، وتنعدم الثقة في إمكانية تحقيق النصر.
[2] . المنظومة العقائدية تخضع لعدد من العقائد –العقيدة الدينية –العقيدة السياسية- العقيدة العسكرية-العقيدة الوطنية
[3] . طرح في المكتبات الغربية الأوروبية كتاب "ليورغن تودن هيغر" في 306 صفحة حول المقاومة العراقية عن دار النشر س. بيرتلس مان في ميونخ وصدر خلال الثلث الأخير من شهر مايو 2008. |